ابن الجوزي
45
صفة الصفوة
بردة « 1 » مضطجعا فيها بفناء « 2 » أهلي ، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار ، فقال ذلك لقوم أهل شرك ، أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت . فقالوا له : ويحك يا فلان ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم ؟ قال : نعم والذي يحلف به يود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور « 3 » في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه ، وأن ينجو من تلك النار غدا . قالوا له : ويحك وما آية ذلك ؟ قال : نبي يبعث من نحو هذه البلاد ، وأشار بيده نحو مكة واليمن ، قالوا : ومتى تراه ؟ قال فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنا فقال : إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه . قال سلمة : فو اللّه ما ذهب الليل والنهار حتى بعث اللّه تعالى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا ، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا ، فقلنا : ويلك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال : بلى وليس به . ذكر بدو دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الناس إلى الإسلام روى عبد الرحمن بن القاسم « 4 » عن أبيه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يدعو من أول ما أنزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا ثم أمر بإظهار الدعاء . وقال يعقوب بن عتبة : كان أبو بكر وعثمان وسعيد بن زيد « 5 » وأبو عبيدة بن الجراح يدعون إلى الإسلام سرا ، وكان عمر وحمزة يدعوان علانية ، فغضبت قريش لذلك .
--> ( 1 ) البردة : كساء أسود مربع فيه صغر تلبسه الاعراب . ( 2 ) فناء الدار ما امتد من جوانبها والجمع أفنية . ( انظر مختار الصحاح ص 513 ) . ( 3 ) التّنّور الذي يخبز فيه ، وقوله تعالى : وَفارَ التَّنُّورُ ، ( انظر مختار الصحاح ص 79 ) ( 4 ) هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي الفقيه ، كان ورعا كثير العلم توفي سنة ست وعشرين ومائة . ( انظر شذرات الذهب ص 177 ج 1 ) . ( 5 ) هو سعيد بن زيد القرشي العدوي أحد العشرة المجاب الدعوة ، دعا على أروى لما كذبت عليه فقال : اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها وأقتلها في أرضها فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فماتت . توفي سنة إحدى وخمسين ( انظر شذرات الذهب ص 57 ج 1 ) .